يحيى بن معاذ الرازي

174

جواهر التصوف

* والنفس من حمقها تبغى الفائدة المعجلة ، ففي ذلك حظّها وسعادتها ، وتكيد لصاحبها فتقترح عليه طاعة ما ، ويظن الغافل أنها رفعت الراية البيضاء ، وأنها بهذا تطلب الصّلح وتنتهج الصّلاح . . . لا ، فتّش عن السّمّ الذي دسّته في العسل الذي اقترحته ، تجد أن لها في هذه الطاعة حظّا تبتغيه ، وبذلك لا يكون العمل خالصا لوجه اللّه . يروى لنا الغزالىّ حكاية عن أحمد بن أرقم البلخي رحمه اللّه : نازعته يوما نفسه أنها راغبة في الخروج للغزو . فاستغرب منها هذا واللّه يقول : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] . وخمّن أنها تريد بهذا أن يخرج بها إلى الناس - وقد هجرهم - فيسمع بها الناس ويعظّمونها . ولكنها نفت هذا التخمين فأخذ يفكّر ويقترح غيره وغيره ، وهي تنفى كلّ هذه التّهم معلنة أنها تريده أن يخرج للقتال حاسرا فيكون أول قتيل ، ولما يئس من معرفة الهدف من اقتراحها اتجه إلى اللّه داعيا أن ينبّهه إلى مقصودها ، فكوشف بها كأنها تقول له : إنك تقتلني كل يوم مرّات بمنعك إياي من الشهوات » ، ولكن إذا خرجت إلى الغزو قتلتني قتلة واحدة فنجوت منك ، ثمّ يتسامع الناس فيقولون : استشهد أحمد ، ويكون لي شرف وذكر . . وقعد أحمد ولم يخرج للقتال عامه هذا . . فانظر إلى حمق النفس وغرورها وكيف أنها ترائى الناس بعد الموت بعمل لم يتمّ بعد . ويقول البوصيري رحمه اللّه : فخالف النّفس والشيطان واعصهما * وإن هما محّضاك النّصح فاتهّم * ويحكى أن أحد الصالحين كان إذا اقترب موسم الحجّ وجد في نفسه نشاطا وخفّة وتجهّز للخروج . . وذات يوم سألته أمّه العجوز أن يأتيها بكوب من الماء لتشرب ، فقام متثاقلا كأنما يحمل المقطّم على كتفيه ، ومن فضل اللّه عليه أن تنبّه لذلك . فأجرى في نفسه موازنة بين خفته ونشاطه للحج وكسله وتثاقله لسقى أمّه . . وعرف أن خروجه للحج سنويّا لم يكن خالصا للّه إنما كان حظ نفس ليقول الناس بصلاحه أو بيسر حاله . . ورحم اللّه البوصيري حين يقول : وراعها وهي في الأعمال سائمة * وإن هي استحلت المرعى فلا تسم * * * 265 - « محاربة الصّدّيقين لنفوسهم من الخطرات ، ومحاربة الأبدال مع الفكرات ومحاربة الزّهّاد مع الشهوات ، ومحاربة التائبين مع الزلات » [ طبقات الشعراني : 1 / 183 ] * الخاطر : ما يخطر على القلب من رأى أو معنى ، يرد لأول مرة ، أو تذكر لأمر سابق ، والجمع : خواطر ، فالخواطر هي المحّركات للإرادات ، فمبدأ الفعل : الخاطر الذي يحرّك الرّغبة ، التي تحرّك العزم ، الذي يحرك النّيّة ، والنية تحرك الأعضاء .